الجاحظ
105
المحاسن والأضداد
محاسن الشجاعة قيل : كان باليمامة رجل من بني حنيفة يقال له جحدر بن مالك ، وكان لسنا فاتكا شجاعا شاعرا ، وكان قد أبر على أهل هجر وناحيتها ، فبلغ ذلك الحجاج بن يوسف فكتب إلى عامل اليمامة يوبخه بتلاعب جحدر به ، ويأمره بالتجرد في طلبه حتى يظفر به ، فبعث العامل إلى فتية من بني يربوع بن حنظلة ، فجعل لهم جعلا عظيما أن هم قتلوا جحدرا أو أتوه به أسيرا ، ووعدهم أن يوفدهم إلى الحجاج ويسني فرائضهم ، فخرج الفتية في طلبه حتى إذا كانوا قريبا منه بعثوا إليه رجلا منهم يريه أنهم يريدون الانقطاع إليه والتحرم به ، فوثق بهم واطمأن إليهم ، فبينما هم على ذلك إذ شدوه وثاقا وقدموا به إلى العامل ، فبعث به معهم إلى الحجاج وكتب يثني على الفتية . فلما قدموا على الحجاج قال له : أنت جحدر ؟ قال : نعم . قال : ما حملك على ما بلغني عنك ؟ قال : جرأة الجنان ، وجفوة السلطان ، وكلب الزمان ، قال : وما الذي بلغ من أمرك فيجترئ جنانك ويصلك سلطانك ولا يكلب زمانك ؟ قال : لو بلاني الأمير لوجدني من صالحي الأعوان ، وبهم الفرسان وممن أوفى على أهل الزمان . قال الحجاج : إنا قاذفوك في قبة فيها أسد فإن قتلك كفانا مئونتك ، وإن قتلته خليناك ووصلناك ، قال : قد أعطيت أصلحك اللّه الأمنية وأعظمت المنة وقربت المحنة . فأمر به فاستوثق منه بالحديد وألقي في السجن ، وكتب إلى عامله بكسكر يأمره أن يصيد له أسدا ضاريا ، فلم يلبث العام أن بعث إليه بأسد ضاريات قد أبرت على أهل تلك الناحية ، ومنعت عامة مراعيهم ومسارح دوابهم ، فجعل منه ومنها واحدا في تابوت يجر على عجلة ،